السيد الطباطبائي

27

الإنسان والعقيدة

فهذا أوّل الفروق التي يفترق بها الروح عن الملائكة ، وهما جميعا من عالم الأمر ، فالروح موجود مجرّد ، محلّى بحلل الكمالات الحقيقيّة ، مبرّأ عن القوة والاستعداد والمنقصة والعدميات ، منزّه عن الاحتجاب بحجب الزمان والمكان ، سائر في مراتب الأمر ومدارج النور ، وهو مع ذلك يقبل أن ينزل عن عالمه إلى هذا العالم فيتّحد بالأجسام ويتصرّف في جميع الأنحاء الجسميّة والجهات الاستعداديّة والإمكانيّة ، بالاتّحاد من غير واسطة ، بخلاف الملائكة ، فإنّهم محدود الوجود بعالم الأمر ، لا يجاوزون أفق المثال . ثمّ إنّه سبحانه قال : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الآية « 1 » . فبيّن أنّ هبوطهم إلى الأرض يوجب انشعاب الطريق إلى شعبتين : شعبة السعادة ، وشعبة الشقاوة ، وتفرّقهم فريقين : فريق في الجنّة ، وفريق في السعير . ثمّ قال سبحانه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ « 2 » . فبيّن أنّ طريق الشقاوة في الحقيقة هلاك وبوار ، فهناك منتهى سفرهم من عالم القدس ، وأمّا طريق السعادة فهو الحياة الجارية الدائمة . قال تعالى : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 3 » . وقال سبحانه : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 4 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآيتان 38 - 39 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 28 . ( 3 ) سورة يونس : الآية 2 . ( 4 ) سورة النحل : الآية 96 .